ابو القاسم عبد الكريم القشيري
54
لطائف الإشارات
تكبّر فرعون بغير حقّ فأقماه بحقّ ، وتجبّر بغير استحقاق فأذلّه اللّه باستحقاق واستيجاب ، وجعل أهلها شيعا يذبّح أبناءهم « 1 » بعد ما استضعفهم ، ويستحى نساءهم ، وأفنى منهم من كان ( . . . ) « 2 » ، وبالفساد حكم فيهم ، واللّه لم يرض بترك إتلافهم . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 5 إلى 6 ] وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ( 6 ) نريد أن نمنّ على المستضعفين بالخلاص من أيديهم ، وأن نجعلهم أئمة ، بهم يهتدى الخلق ، ومنهم يتعلم الناس سلوك طريق الصدق ، ونبارك في أعمارهم ، فيصيرون وارثين لأعمار من يناويهم ، وتصير إليهم مساكنهم ومنازلهم ؛ فهم هداة وأعلام ، وسادة وقادة ؛ بهم يقتدى وبنورهم يهتدى . « وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ » : نزيل عنهم الخوف ، ونرزقهم البسطة والاقتدار ، ونمد لهم في الأجل . ونرى فرعون وهامان وقومهما ما كانوا يحذرون من زوال ملكهم على أيديهم ؛ وأنّ الحقّ يعطى - وإن كان عند الخلق أنّه يبطى . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 7 ] وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) .
--> ( 1 ) كان سبب سلوكه هذا السبيل مع بني إسرائيل أن الكهنة قالوا له ان مولودا يولد في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه ، أو قال له المنجمون ذلك ، أو رأى رؤيا فعبرت كذلك . قال الزجاج : العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع ، وإن كذب فلا معنى للقتل . ( 2 ) مشتبهة .